ابن هشام الأنصاري
42
شرح قطر الندى وبل الصدى
وقرأ بعضهم : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ بالخفض والتنوين . ( 4 ) الحالة الرابعة : أن يحذف المضاف إليه ، وينوى معناه دون لفظه ، فيبنيان حينئذ على الضم « 1 » ، كقراءة السبعة : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ .
--> - اللغة : « ساغ لي الشراب » سهل مروره في حلقي ، وحلا مذاقه ، وطاب لي شرابه « أغص » بفتح همزة المضارعة ، والغين المعجمة مفتوحة في الأكثر ومضمومة في لغة قليلة ، وهو من الغصص - بفتح الغين والصاد - والغصص هو وقوف الطعام واعتراضه في الحلق « الماء الحميم » - كما هي الرواية الصحيحة - هو الماء البارد ، والفرات - كما في الرواية الأخرى - هو الشديد العذوبة ، ومنه قوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ من الآية 12 من سورة فاطر . المعنى : يقول : إنه - بعد أن أدرك ثأره ونال من عدوه ما كان يشتهي - طاب له الشراب ، وقد كان قبل أن يصل إلى هذه الأمنية إذا أراد أن يشرب الماء لم يستطع أن يسيغه . الإعراب : « فساغ » الفاء حرف عطف ، ساغ : فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب « لي » جار ومجرور متعلق بساغ « الشراب » فاعل ساغ « وكنت » الواو واو الحال ، وكان فعل ماض ناقص ، وتاء المتكلم اسمه مبني على الضم في محل رفع « قبلا » ظرف زمان منصوب على الظرفية ، والعامل فيه النصب كان « أكاد » فعل مضارع ناقص ، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا « أغص » فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا ، وجملة الفعل وفاعله في محل نصب خبر أكاد ، وجملة أكاد واسمه وخبره في محل نصب خبر كان ، وجملة كان واسمه وخبره في محل نصب على الحال ، وقوله : « بالماء » جار ومجرور متعلق بأغص « الحميم » صفة للماء ، وصفة المجرور مجرورة : الشاهد فيه : قوله « قبلا » فإن الرواية في هذه الكلمة بالنصب مع التنوين ، وذلك لأن الشاعر قطع هذه الكلمة عن الإضافة في اللفظ ولم ينو المضاف إليه لا لفظه ولا معناه ، ولو أنه نوى المضاف إليه لما نوّنه ، وذلك لأن المنويّ كالثابت ، وإذا وجد المضاف إليه في الكلام امتنع تنوين المضاف ، فكذا يمتنع تنوين المضاف مع نية المضاف إليه . ومثل هذا البيت قول الشاعر ، وينسب لبعض بني عقيل من غير تعيين : ونحن قتلنا الأسد أسد شنوءة * فما شربوا بعدا على لذّة خمرا ( 1 ) إنما بنيت هذه الألفاظ عند حذف المضاف إليه ونية معناه لأنها أشبهت الحرف في الاحتياج إلى ذلك المحذوف كما بنيت الأسماء الموصولة لاحتياجها احتياجا متأصلا إلى الصلة ، فإن قلت : فلماذا لم تبن مع ذكر هذا المضاف إليه مع أن الموصولات تبنى مع ذكر الصلة ؟ فإن جواب هذا السؤال أن الإضافة من خصائص الأسماء كما قدمنا لك ، فإذا ذكر المضاف إليه أو حذف لكنه كان منويا بلفظه فقد أبعد ذلك شبهه بالحرف ، وإذا حذف المضاف إليه ولم ينو لفظه ولا معناه صار اسما تاما ، وزال الاحتياج الذي هو سبب البناء .